عبد الرحمن السهيلي
294
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أي : لا ترتابوا ، وهذا النهي عام لا يخصص ، وأدق من هذا أن يكون خبراً محضاً عن القرآن ، أي : ليس فيه ما يريب ، تقول : رابني منك كذا وكذا ، إذا رأيت ما تنكر ، وليس في القرآن ما تنكره العقول . والريب ، وإن كان مصدراً فقد يعبر به عن الشيء الذي يريب ، كما يعبر بالضيف عن الضائف ، وبالطيف عن الخيال الطائف ، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : « ليَوم لا رَيبَ فيه » فهذا خبر ، لأن النهي لا يكون في موضع الصفة . وقوله : لا ريب فيه في موضع الصفة ليوم ، والحياة بعد الموت ليس فيه ما يريبك ، لأن من قدر على البدءة ، فهو على الإعادة أقدر ، وليس الريب بمعنى الشك على الإطلاق ، لأنك تقول : رابني منك رائب ، ولا تقول شكني ، بل تقول : ارتبت كما تقول شككت ، فالارتياب : قريب من الشك . وذكر قول الله سبحانه : « في قُلوبهم مَرَض » وأصل المرض : الضعف وفتور الأعضاء ، وهو ها هنا ضعف اليقين ، وفتور القلب عن كد النظر ، وعطف : فزادهم الله ، وإن كان الفعل لا يعطف على الاسم ، ولا على مثل هذه الجملة ، لو قلت : في الدار زيد ، فأعطيته درهماً لم يجز ، ولكن لما كان في معنى قوله : في قلوبهم مرض كمعنى مرضت ، قلوبهم صح عطف الفعل عليه . وذكر قوله سبحانه : « يا بَنِي إسرائيلَ » ، ووهم في التلاوة ، فقال : « يا أهلَ الكتابِ » ، كما وهم في أول السورة . وبنو إسرائيل : هم بنو يعقوب ، وكان يسمى : إسرائيل ، أي سري الله لكن لم يذكروا في القراءة إلا أضيفوا إلى إسرائيل ، ولم يسموا فيه : بنو يعقوب ، ومتى ، ذكر إبراهيم وإسحق ويعقوب لم يسم إسرائيل ، وذلك لحكمة فرقانية ، وهو أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله ، وذكروا بدين أسلافهم موعظةً لهم ، وتنبيهاً من غفلتهم سموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله ، فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله تعالى في التأويل . ألا ترى : كيف نبه على هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى الإسلام قوماً ، يقال لهم : بنو عبد الله ، فقال لهم : يا بني عبد الله ، إن الله قد حسن اسم أبيكم يحرضهم بذلك على ما يقتضيه اسمهم من العبودية لله ، فكذلك قوله سبحانه : يا بني إسرائيل إنما ورد في معرض التذكرة لهم بدين أبيهم ، وعبوديته لله ، فكان ذكرهم بهذا الاسم أليق بمقام التذكرة والتحريض من أن يقول لهم : يا بني يعقوب ، ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره بإسحق ، ثم يعقوب كان لفظ يعقوب أولى بذلك المقام ، لأنها موهبة بعقب أخرى ، وبشرى عقب بها بشرى وإن كان اسم يعقوب عبرانياً ، ولكن لفظه موافق للعربي في العقب والتعقيب ، فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين ، فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن وبلاغة ألفاظه وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به . حديث أبي ياسر بن أخطب وأخيه حيى : فصل : وذكر ابن إسحاق حديث أبي ياسر بن أخطب وأخيه حيي بن أخطب حين سمعا المص ونحوها من الحروف ، وأنهم أخذوا تأويلها من حروف أبجد إلى قوله : لعله قد جمع لمحمد وأمته هذا كله . قال المؤلف : وهذا القول من أحبار يهود ، وما تأولوه من معاني هذه الحروف محتمل ، حتى الآن أن يكون من بعض ما دلت عليه هذه الحروف المقطعة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذبهم فيما قالوا من ذلك ، ولا صدقهم . وقال في حديث آخر : لا تصدقوا أهل الكتاب ، ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وبرسوله . وإذا كان في حد الاحتمال وجب أن يفحص عنه في الشريعة هل يشير إلى صحته كتاب أو سنة ، فوجدنا في التنزيل « وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تَعُدُّون » ووجدنا في حديث زمل الخزاعي حين قص على رسول